[justify][justify]
واجبنا عندما نرى سنة الله في الظالمين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
جرت سنة الله تعالى أنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وهذه سنة كونية جارية على الظالمين لا يستطيع ردها أحد ولا يقدر على منعها عنهم مخلوق مهما عمل من التدابير والأسباب المانعة، ومهما تترس بالجند والزبانية والموالين والمناصرين له .قال الله تعالى : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)}
وقال الله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)}
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)}
عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
: ( إن الله يملي للظالم . فإذا أخذه لم يفلته ) ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ... الآية }
والعبرة من ذكر هذه السنة الجارية على الظالمين نتعلم دروس وأحكام يجب على المسلم اجتنابها والحذر منها وهي:
1- أن نحذر من الظلم والوقوع فيه فإن عاقبته وخيمه وعذاب الله في الظالمين شديد ودليل ذلك ما أسلفنا ذكره . -
2- أن لا نركن إلى لذين ظلموا: قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)} ومعنى الركون في الآية: أي لا تُدهنوا ، أو لا تميلوا إلى الذين ظلموا ، ولا تستعينوا بالظلمة فتكونوا قد رضيتم بباقي صنيعهم.
قال الألوسي في تفسيره: ويشمل النهي حينئذ مداهنتهم وترك التغيير عليهم مع القدرة والتزين بزيهم وتعظيم ذكرهم ومجالستهم من غير داع شرعي وكذا القيام لهم ونحو ذلك. ومن البالغة في النهي نهى الله عن الركون لمن تلبس بظلم وإن لم يكونوا من الموصوفين بالظلم على الدوام . فعلينا أن نحذر.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون من بعدي أمراء يغشاهم غواش من الناس فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فانا منه بريء وهو مني بريء ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأنا منه وهو مني" .صحيح ابن حبان.
3- أن لا نعين الظالم ولا نقف في صفه لأن سنة الله تشمل الظالم وكل حاشيته ووزرائه وأعوانه ومن عمل معهم خاصة في مجال الأمن والحراسة والدفاع عن ظلمهم وهو شريكهم في الظلم وستعمهم سنة الله تعالى في الظالمين،قال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} فحملهم الله وزر فرعون لأنهم أعوانه في الظلم وعمهم العذاب بذلك.
وقال الله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)}
و عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (الجلاوزة و الشرط كلاب النار يوم القيامة) والجلاوزة أعوان الظلمة.
سأل سجانٌ الأمام احمد بن حنبل هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا لست من أعوان الظلمة، إنما أعوان الظلمة من يخيطوا لك ثوبك، من يطهو لك طعامك، من يساعدك في كذا، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم وروي أيضا انه جاء خياط إلى سفيان الثوري فقال إني رجل أخيط ثياب السلطان هل أنا من أعوان الظلمة فقال سفيان بل أنت من الظلمة أنفسهم ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيوط.
و قال سعيد بن المسيب رحمه الله : لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم الصالحة و قال مكحول الدمشقي : ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة و أعوانهم ؟ فما يبقى أحد مد لهم حبرا أو حبر لهم دواة أو بري لهم قلما فما فوق ذلك إلا حضر معهم فيجمعون في تابوت من نار فيلقون في جهنم.
قصة عجيبة: قال بعضهم رأيت رجلا مقطوع اليد من الكتف و هو ينادي من رآني فلا يظلمن أحدا فتقدمت إليه فقلت له : يا أخي ما قصتك ؟ قال : يا أخي قصة عجيبة و ذلك أني كنت من أعوان الظلمة فرأيت يوما صيادا و قد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني فجئت إليه فقلت : أعطني هذه السمكة فقال : لا أعطيكها أنا آخذ بثمنها قوتا لعيالي فضربته و أخذتها منه قهرا و مضيت بها قال : فبينا أنا أمشي بها حاملها إذ عضت على إبهامي عضة قوية فلما جئت بها إلى بيتي و ألقيتها من يدي ضربت على إبهامي و آلمتني ألما شديدا حتى لم أنم من شدة الوجع و الألم و ورمت يدي فلما أصبحت أتيت الطبيب و شكوت إليه الألم فقال : هذه بدء الآكلة أقطعها و إلا تقطع يدك فقطعت إبهامي ثم ضربت على يدي فلم أطق النوم و لا القرار من شدة الألم فقيل لي : أقطع كفك فقطعته و انتشر الألم إلى الساعد و آلمني ألما شديدا و لم أطق القرار و جعلت أستغيث من شدة الألم : فقيل لي : اقطعها إلى المرفق فقطعتها فانتشر الألم إلى العضد و ضربت على عضدي أشد من الألم الأول فقيل اقطع يدك من كتفك و إلا سرى إلى جسدك كله فقطعتها فقال لي بعض الناس : ما سبب ألمك ؟ فذكرت قصة السمكة فقال لي : لو كنت رجعت في أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة و استحللت منه و أرضيته لما قطعت من أعضائك عضوا فاذهب الآن إليه و اطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك قال : فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته فوقعت على رجليه أقبلها و أبكي و قلت له : يا سيدي سألتك بالله إلا عفوت عني فقال لي : و من أنت ؟ قلت : أنا الذي أخذت منك السمكة غصبا و ذكرت ما جرى و أريته يدي فبكى حين رآها ثم قال : يا أخي قد أحللتك منها لما قد رأيته بك من هذا البلاء فقلت : يا سيدي بالله هل كنت قد دعوت علي لما أخذتها ؟ قال : نعم قلت : اللهم إن هذا تقوى علي بقوته على ضعفي على ما رزقتني ظلما فأرني قدرتك فيه فقلت : يا سيدي قد أراك الله قدرته في و أنا تائب إلى الله عز و جل عما كنت عليه من خدمة الظلمة و لا عدت أقف لهم على باب و لا أكون من أعوانهم ما دمت حيا إن شاء الله
4- يجب الإنكار على الظالم وعدم السكوت عن الظلم: قال الله تعالى : {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)}.فعم عقاب الله مرتكبي الذنب والساكتين عنه.
في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال يا رسول الله : أنصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما ؟ تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ].
وأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر: أي ظالم.
5- أن نقيم العدل في أنفسنا وأهلينا ولو على أقرب المقربين منا.
قال
الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)}
وقف مع هذا الحديث: أن رجلا قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم؟ قال: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تقرأ كتاب الله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا الآية، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهم شيئا خيرا من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار كلهم))
6- لا ننقذ الظالم إذا رأيناه يهلك بمظلمته.سأل رجل سفيان الثوري: لو رأيتُ ظالماً في صحراء يهلك من شدة العطش أأسقيه، قال: لا تسقيه، قال: سيهلك، قال: دعه يهلك.
7- أن نكون معاول هدم لأركان الظلم نجاهدهم بما أوتينا من قوة لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله، كلٌ بما يقدر عليه ( بيده أو لسانه أو قلبه وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .
فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوفٌ يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) أخرجه مسلم وغيره.
فاللهم عليك بالظلمة المستبدين الذين عطلوا الدين وأفسدوا الدنيا . من الحكام وأعوانهم وجلاوزتهم يا رب العالمين .[/justify]
[/justify]