ثالثاً : أحواله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته في رمضان :
من تتبع حاله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته في رمضان علم مدى التوازن
الضخم الذي كان محققاً له صلى الله عليه وسلم في حياته ؛ إذ كان صلى الله عليه
وسلم كما وصف نفسه : « إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا » [42] ، « خيركم خيركم
لأهله ، وأنا خيركم لأهلي » [43] . وتبرز أحواله مع أهله مما يلي :
* تعليمهن : ومن ذلك : أن عائشة قالت : يا رسول الله ، أرأيت إن علمت أي
ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : « قولي : اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف
عني » [44] ، وحديثها « أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل ،
فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ، وكان بلال يؤذن حين يرى الفجر » [45] ، بل
إن إخبارهن بجانب من عشرتهن وما علمنه من حاله صلى الله عليه وسلم كان
طريق الأمة لمعرفة كثير من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان وذلك لا يخفى .
* حثه صلى الله عليه وسلم لهن على فعل الخير وإتيان العمل الصالح ؛ حيث
أرسل إليهن للصلاة مع الناس خلفه [46] .
من هذه الآثار ندرك حكمة من حِكَم تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
وكثرتهن مع انشغاله بأمر الأمة ؛ فقد كان ذلك جزءاً أساساً من عملية إرشاد الأمة
وتعليمها الإسلام كافة بكل جوانبه الشمولية ، ولم يكن شيء من ذلك يتحقق لولا
عنايته عليه الصلاة والسلام بتعليمهن : إرشاداً وتوجيهاً وإجابة وبياناً وترغيباً
وترهيباً . وهذا فوق أنه منطلق دعوي مهم ، فهو رعاية للمسؤولية الأولى ، وحفظ
لكيان البيت والأسرة من الجهل والكسل .
فَحَيَّ على أسركم يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم و  قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ( التحريم : 6 ) .
* حسن عشرته صلى الله عليه وسلم لهن . ومن الأمور الدالة على ذلك :
1 - مواقعته صلى الله عليه وسلم لهن في غير العشر الأواخر ، يشهد لذلك
حديث عائشة قالت : « كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا
ليله وأيقظ أهله » [47] ، قال ابن حجر : « قوله : شد مئزره : أي : اعتزل
النساء » [48] .
2 - تقبيله صلى الله عليه وسلم لزوجاته ومباشرته لهن وهو صائم ، قالت
عائشة : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل في شهر الصوم » [49] ،
وسألها الأسود و مسروق : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم ؟
قالت : « نعم ، ولكنه كان أملككم لإربه » [50] .
3 - مراعاته صلى الله عليه وسلم لهن وحرصه على الاستقرار الأسري ؛ إذ
ترك الاعتكاف في سنة كما تقدم ، خشية على نسائه من أن يقع بينهن أو في
نفوسهن شيء [51] .
4 - زيارة نسائه صلى الله عليه وسلم له في معتكفه وتبادله الحديث معهن
ساعة ، وخوفه صلى الله عليه وسلم عليهن وحمايته لهنَّ ، قالت صفية : « كان
صلى الله عليه وسلم في المسجد وعنده أزواجه فَرُحْن ، فقال لصفية بنت حيي : لا
تعجلي حتى أنصرف معك ، وكان بيتها في دار أسامة ، فخرج صلى الله عليه وسلم
معها » [52] .
5 - اعتناؤه صلى الله عليه وسلم بمظهره وتنظيفه لجسده .
فأين هذا ممن حظ أهله من أخلاقه أسوؤها ، ومن أوقاته آخرها ، ومن تفكيره
فضلته ، ومن اهتمامه ثمالته .. حتى ما عادوا يطمعون في بره ، ولا يأملون في
خيره ؟ ! ثم هو يرجو منهم براً وإحساناً ! إنك لا تجني من الشوك العنب ! .
* خدمة نسائه صلى الله عليه وسلم له ، ومن ذلك :
تغسيل زوجه صلى الله عليه وسلم رأسه وترجيلها لشعره وهو صلى الله عليه
وسلم معتكف كما عرف ، وضرب زوجه الخباء له صلى الله عليه وسلم في المسجد
ليعتكف فيه [53] ، وضرب زوجه الحصير له صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه
وطيها له [54] ، ومنه : إيقاظ أهله صلى الله عليه وسلم له ، كما في حديث أبي
هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أُريت ليلة القدر ، ثم أيقظني
بعض أهلي فنسيتها ، فالتمسوها في العشر الغوابر » [55] .
* إذنه صلى الله عليه وسلم لزوجاته بالاعتكاف معه .
* قيامهن ببعض العبادات معه صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك :
1 - الاعتكاف ؛ والظاهر أن غالب زوجاته لم يكن يعتكفن معه صلى الله
عليه وسلم في حياته ، أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فالظاهر اعتكافهن بعده ،
يدل لذلك حديث عائشة : « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر
الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده » [56] .
2 - قيام الليل في بعض ليالي رمضان جماعة في المسجد ، يدل لذلك حديث
أبي ذر ، وفيه : « ثم لم يصلِّ بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ،
ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح ، قلت له : وما الفلاح ؟ قال :
السحور » [57] .
* زواجه صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه في رمضان . كزينب بنت خزيمة
أم المساكين [58] ، و حفصة ، و زينب بنت جحش ، [59] .
وبعد : فإن من أوكد الواجبات بداية الرجل عموماً والداعية خصوصاً بتعليم
أهله وقرابته ، قال تعالى :  وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ  ( الشعراء : 214 ) ،
وإذا كان إنفاق الرجل على أهله أفضل من الصدقة وأعظم منها أجراً [60] ، فإن
تعليمه وحسن معاملته لهم أفضل وأعظم أجراً من تقديم ذلك لغيرهم مع الأهمية في
كلٍ ، فنحن بحاجة إلى إحياء شعار : « ابدأ بمن تعول » [61] ، مع بَعْثِ منهج
التوازن والوسطية النبوية التي لا تهمل جانباً على حساب آخر .
رابعاً : أحواله صلى الله عليه وسلم مع أمته في رمضان :
حاله صلى الله عليه وسلم مع أمته في رمضان هو جزء لا يخرج عن
الصورة العامة لهديه في سائر العام ، مع مزيد توجيه وتعليم فيما يخص رمضان .
وقد تقلب صلى الله عليه وسلم مع صحابته في هذا الشهر بين أحوال عدة ، جملتها
فيما يأتي :
* تعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه . ومن ذلك : حديث شداد بن أوس
« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع ، وهو يحتجم ،
وهو آخذ بيدي ، لثماني عشرة خلت من رمضان ، فقال : أفطر الحاجم
والمحجوم » [62] .
والتعليم مهمة الأنبياء وأتباعهم ، قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله لم
يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثني معلماً ميسراً » [63] ، وقال الأسود بن يزيد :
« أتانا معاذ بن جبل اليمن معلماً وأميراً » [64] ، وهي مهمة شريفة عليَّة الرتبة ،
بها يرتفع شأن صاحبها ، ويعظم أجره ، ويزيد برُّه ، ويعم خيره ، ويبقى ذكره ...
وللدعاة في رمضان فرصة دعوية سانحة حريّة بالاغتنام مع بذل غاية الجهد في
تعليم الناس وتفقيههم وتعريفهم حقيقة الإسلام والإيمان ، واستغلال إقبالهم على
المساجد في استصلاح قلوبهم وأعمالهم .
* إرشاده صلى الله عليه وسلم لأصحابه وتوجيهه ووعظه لهم . ومن ذلك :
حديث ابن عمر قال : « اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر
من رمضان ، فاتُّخِذَ له فيه بيت من سعف ، قال : فأخرج رأسه ذات يوم ، فقال :
إن المصلي يناجي ربه عز وجل فلينظر أحدكم بما يناجي ربه ، ولا يجهر بعضكم
على بعض بالقراءة » [65] .
* تحفيزه صلى الله عليه وسلم لأصحابه على المبادرة في العمل الصالح وبيان
ثواب ذلك لهم . ومنه : حديث أبي هريرة في الحث على الصيام ، وفيه : « والذي
نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه
وشرابه وشهوته من أجلي ، الصيام لي وأنا أجزي به ، والحسنة بعشر
أمثالها » [66] .
وتحفيزه صلى الله عليه وسلم : دليل على حرصه على نفع صحبه الكرام ،
وعلى أن النفوس مهما بلغت من الكمال والمسابقة في الخيرات لا تستغني عن
النصح والتوجيه ترغيباً وترهيباً . وقد أفرط قوم في ذلك فصار حديثهم يكاد لا
يخرج عن ذلك في رمضان وغيره ! حتى ألفته النفوس وملَّته ، وفرّط آخرون
فصار حديثهم جافاً غليظاً لما أهملوا خطاب القلوب وتحريك العاطفة ، في الوقت
الذي أهمل فيه الأولون خطاب العقل وتحريك الفكر . ومنهج القرآن بين هذين ،
فليكن لأتباعه منهجاً .
* إفتاؤه صلى الله عليه وسلم لمن سأله من أصحابه ، وعدم معاتبته لمن أذنب
وجاء تائبا مستفتياً . فعن عائشة قالت : « أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المسجد في رمضان ، فقال : يا رسول الله ! احترقت احترقت ! فسأله
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنه ؟ فقال : أصبت أهلي ، قال : تصدَّق ،
فقال : والله يا نبي الله ! ما لي شيء وما أقدر عليه ، قال : اجلس فجلس ، فبينا هو
على ذلك أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أين المحترق آنفاً ؟ فقام الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصدق بهذا ،
فقال : يا رسول الله ! أغيرنا ؟ فوالله ! إنا لجياع ما لنا شيء ! قال : فكلوه » [67] ،
ومثله حديث سلمة بن صخر الأنصاري [68] .
وهذا الموقف وأشباهه في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم داع لحَمَلةِ
رسالته أن تمتلئ قلوبهم رحمة بالمدعوين تورث رقة في التعامل معهم ، ورفقاً
بسائلهم ، وشفقة على مذنبهم . تلك الميزة التي تضعف لدى بعض المنتسبين للعلم
والدعوة والإصلاح حيث يظنون أن المقصر لا يستحق إلا التوبيخ والتقريع والذم
والإسقاط جزاء تقصيره ، ويغيب عن أذهانهم هديه صلى الله عليه وسلم وصنيعه
مع من واقع زوجته في رمضان ، وغير ذلك كالذي بال في المسجد ، والذي تكلم
في الصلاة ؛ بل حتى مع من طلب الإذن له بالزنا ! والدافع إلى ذلك كله الرغبة
في هداية الخلق ورحمتهم والعطف عليهم . ويتأكد الأمر في رمضان حين يقبل
عامة الناس على المساجد ، وتكثر أسئلتهم عن أحكام الصيام ، وعما اقترفوا من
الذنوب ... إن هؤلاء يفتقرون إلى قلوب حانية رقيقة تمسح موضع الداء بلطف ،
وتعالجه برفق وتخفف المصاب حتى يظهر للمخطئ الصواب ، فيعود إليه .
* إمامته صلى الله عليه وسلم بالناس . وقد أَمَّ أصحابه في قيام الليل في بعض
ليالي رمضان ، وما منعه من الاستمرار إلا خشيته صلى الله عليه وسلم من أن
تفرض عليهم فيعجزوا عنها .
* خطبته صلى الله عليه وسلم فيهم وحديثه إليهم عقب بعض الصلوات [69] .
* جعله صلى الله عليه وسلم من نفسه قدوة لأصحابه ، ومن الدلائل على ذلك :
1 - خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليصلي فيه من الليل ، كما في
حديث عائشة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل
فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته ... » [70] .
2 - اعتكافه صلى الله عليه وسلم لتحري ليلة القدر ، وحثه لأصحابه على
ذلك .
* إفطاره صلى الله عليه وسلم في السفر بعد العصر ليراه أصحابه ، وذلك بعد
أن بلغ بهم الجهد مبلغه .